ابن كثير

178

البداية والنهاية

عبد الله بن سعد فقال : لا تركبا معنا ، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين ، ولقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا ، فقيل لهما في ذلك فقالا : كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه ؟ فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشد النهي وقال : والله لولا لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحسبتكما . قال الواقدي وفي هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة . وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس . كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد قال ابن إسحاق : هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو ، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه وخافوه على أنفسهم ، فبعثوا إلى الترك يستفزونهم عليه ، فأتوه فقتلوا أصحابه وهرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط ، فأوى إليه ليلا ، فلما نام قتله . وقال المدائني : لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا عليه تاجه ومنطقته وسيفه ، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الذي ينقر الأرحية فجلس عنده فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه ، وجاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله ، فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته واخذوا ما كان مع كسرى ، ووضعوا كسرى في تابوت وحملوه إلى إصطخر ، وقد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل فحملت منه ووضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق وسمى ذلك الغلام المخدج ، وكان له نسل وعقب في خراسان ، وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله ، فبعث بإحداهما إلى الحجاج ، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص . وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه : إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده وذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له المرغاب فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر أين هو ، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى وعليه أبهته ، فقال له : ما أنت ؟ إنسي أم جني ؟ قال : إنسي ، فهل عندك طعام ؟ قال : نعم ! فأتاه بطعام فقال : إني مزمزم فأتني بما أزمزم به ، قال : فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به ، قال : وما تصنع به ؟ قال : عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب مني هذا ، فذهب به الأسوار إلى ملك البلد - مرو واسمه ماهويه بن باباه - فأخبره خبره ، فقال هو يزدجرد ، اذهبوا فجيئوني برأسه ، فذهبوا مع الطحان فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه وتدافعوا وقالوا للطحان ادخل أنت فاقتله ، فدخل فوجده نائما فأخذ حجرا فشدخ به رأسه ثم احتزه فدفعه إليهم وألقى جسده في النهر ، فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه ، وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت وحمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس ، ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل حتى رق له وقال له : ويحك يا مسكين ألا تأكل ؟ وأتاه بطعام فقال : إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة ، فقال له : كل وأنا أزمزم لك ، فسأل أن يأتيه بمزمزم ، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا